الافلام القصيرة في مهرجان دبي السينمائي اساليب كوميدية ذكية عن صراع الحضارات
16/12/2004
دبي - ناجح حسن- ضحك غزير اتبعه تصفيق حار للفيلم الاردني القصير «حظ عاثر» لمخرجه الشاب عمار قطينة لدى عرضه في مهرجان دبي السينمائي الدولي، فقد ضاقت صالة العرض الحديثة التجهيز والتي تتسع لستمائة مشاهد عن استيعاب عشرات آخرين بانتظار فرصة الحصول على عرض آخر في صالة اخرى. ويناقش الفيلم الاردني الذي انتجته تعاونية عمان لصنعة الافلام باشراف المخرج حازم البيطار تلك المواقف الطريفة التي تصادف شخص في حياته اليومية وخصوصاً عندما يأخذ تاكسي في تنقلاته في دبي ويضيق سائق التاكسي ذرعاً بحالته وجاءت المعالجة الكوميدية مكثفة في ستة دقائق آثر المخرج ان لا يظهر السائق اطلاقاً عبر احداث الفيلم وانما يسمع المشاهد صوته الناقد لزبائنه ومن جملتهم زبونه وثقيل الظل، وهو عمل يبشر بميلاد موهبة سينمائية واعدة خصوصاً وان مخرجه كان قد سبق له ان قدم عملاً آخر قصيراً العام الجاري تحت عنوان «حزن القوة».
وآثر مهرجان دبي السينمائي ان يعرض فيلمه الثاني «حظ عاثر» في قسم «عرض اول» مع جملة من الافلام القصيرة كان ابرزها فيلم «لعله خير» لمخرجه القادم من فلسطين رائد الحلو الحائز على جائزة مهرجان رام الله عن العمل نفسه والذي يقود المشاهد الى اجواء مشحونة داخل الاراضي الفلسطيني يرافقها رتابة وترقب للقادم من المجهول، وفيه ينجح في ملامسة عقل المشاهد وشده الى ترقب فجر الامل والحرية لشعب يرنو الى الاستقلال.
وفي الفيلم الكوميدي اللبناني «فان اكسبرس» للمخرج ايلي خليفة الذي اشتهر بأفلامه الساخرة ذات الدعابة الهجائية السوداء، كما ظهر في باكورة افلامه القصيرة «تاكسي سيرفيس» «وشكراً ناتكس» معايشة لهموم اجيال متفاوتة للإنسان اللبناني في حياته اليومية وخاصة قدرة الفيلم على الغوص في مسألة البحث عن فرصة عمل وتعبئة فراغه الطويل كل هذا يأتي بكاميرا تنفذ على خفايا وقضايا ساخنة ولكن بأسلوبية كوميدية لاذعة وممتعة بآن معاً.
لكن مواطنته اللبنانية ميرنا معكرون تبرز بفيلمها «برليز - بيروت» صورة اخرى مغايرة عن حياة اللبناني المغترب في المهجر الاوروبي وتحديداً ببرلين في المانيا وتقارن بذكاء وفطنة في مستوى فني وفكري لائق فوارق مدينتين مثل بيروت وبرلين في جحيم الحرب وتمزقهما ما بين بيروت الغربية والشرقية في زمن قريب وكذا الامر بالنسبة لمدينة المانية مثل برلين المقسمة بين المانيا الشرقية والمانيا الغربية سابقاً قبل ان تتوحدا ويتميز الفيلم بأسلوب تسجيلي طاغ تؤدي فيه المخرجة نفسها لحظات شهادتها على المدينتين وهي تسرد قصص الحرب والسلام عن مدينتين تختلفان على الخريطة بين عالم ثالث وعالم اول لكنهما تتشابهان كثيراً في محطات من التحول السياسي والاجتماعي.
ومن العراق حضر المخرج طارق هاشم بفيلمه «16 ساعة في بغداد» والذي انتجه بدعم من الدنمارك وفيه يقدم نقلة جديدة عن مسيرته السينمائية الموصوفة بالافلام التجريبية وفيه يستخدم الاسلوب التسجيلي في اقتحامه بكاميرته لعاصمة بلده بغداد لحظة سقوطها تحت الاحتلال بعد سنوات طويلة امضاها حجم المعاناة اليومية للناس هناك جراء الاحتلال الاميركي وبالتالي صدمته من وقائع حقيقية تعرضها شهادات شخوص فيلمه من الشارع العراقي.
ويعالج الفيلم التونسي «علامة انتماء» لمخرجه كمال شريف الحائز على جائزة افضل فيلم قصير في مهرجان فينيسيا السينمائي هواجس الطفولة بأسلوبية فنية وفكرية مبتكرة وبقدرة عالية المستوى في الدخول الى عوالم الطفولة، عندما ينقل معاناة طفل عربي في المهجر ومشاعر انسلاخه عن حضارته العربية مقارنة مع حضارة غربية وكل ذلك يظهر بلقيات بسيطة وبريئة في السلوك اليومي للطفل.
ويجري فيلم «زوروا العراق» الذي حققه المخرج كمال الجعفري المولود بفلسطين العام 1972 والذي نال تعليمه السينمائي بألمانيا ورشح عمله للجائزة الذهبية في مسابقة الافلام الوثائقية القصيرة بالمانيا وهو يعمل حالياً في الاراضي الفلسطينية على فيلم روائي طويل تنتجه محطة التلفزيون الالمانية.
وفي «زوروا العراق» يلقي نظرة على الاحداث الساخنة التي يعيشها العراق حالياً من منظور غير عادي فيختار لافتة الخطوط الجوية العراقية المثبتة على مكتبها في جنيف وكيف صار مهجوراً واشبه بأطلال بعد ان غادره موظفوه اثر فترة الحصار على العراق وابان الاحتلال ايضاً حيث ينقل المخرج المشاهد بعدسته الواقعية اراء وهواجس الناس والجيران حول مكتب خطوط الطيران في مواقف لا تخلو من الطرافة والدعابة السوداء وفي منظور ذكي لتساؤلات رجل الشارع الغربي حول العرب عموماً والحالة العراقية خصوصاً.
ويقدم المخرج المصري الاصل هشام العيساوي المقيم بالولايات المتحدة الاميركية فيلمه المعنون «إ-للأرهابي» وهو من النوع الكوميدي الحائز على عدة جوائز تحكي قصة ممثل عربي في عاصمة السينما العالمية «هوليوود» والكيفية التي عالجت فيها السينما الاميركية الشخصية العربية وتقديمها بأشكال شتى من الصور السلبية المقززة عن الحضارة العربية والاسلامية ومعاناة ممثل عربي في هذه الاجواء المحبطة والسلبية ومحاولاته الفردية في تغيير النظرة الهوليوودية ومن ظاهرة الاحكام المسبقة لقائمة طويلة من الاعمال السينمائية.
وعن الروابط العائلية التي تدور بين الافراد الاسرة اللبنانية والفوارق الاجتماعية ومحاولات الانفلات من العادات المتوارثة يجيء الفيلم اللبناني «رماد» لمخرجيه جوانا حاجي توما وخليل جريج محملاً بعناصر اسلوبية ولغة سينمائية جديدة وتحلل وتفكك الصراع الخفي بين شاب وعائلته وعلامات الرفض والقبول والتغيير التي يظهرها الابن المتمرد حول كيفية تحضيرات دفن جثمان والده.
ومن الامارات الدولة المضيفة للمهرجان حضرت مجموعة من الاعمال القصيرة التي تحمل بشائر نهضة سمعية بصرية عبر اداة كاميرا الفيديو - الديجتال الرقمية وكان من ابرز الافلام المشاركة «جوهرة» لهاني الشيباني، «الارض المبتلة» لمخرجته الشابة لمياء حسين قرقاش، «طوي عشبة» لوليد الشحي، و«سجائر» لمحمد الطريفي وجميعها افلام تحققت بدعم ومؤازرة من مسابقة افلام الامارات وجالت في الكثير من المهرجانات العربية والدولية وحققت نجاحاً لافتاً، وخصص لها اكثر مناسبة لتعرض في اقسام خاصة بتلك الاحتفاليات السينمائية مثل قرطاج، الاسماعيلية، طنجة، ونانت بفرنسا وبيروت.
وغالباً ما تكون موضوعاتها عن اجواء العيش في الصحراء، والتفاوت الاجتماعي المعاصر مع القديم، والعلاقات المضطربة والغامضة للمرأة والرجل او بين عالمين مختلفين وتكتسي ايضاً اهميتها في التأمل العميق في طبيعة الحياة بالخليج وتأثيرها على الواقع والحياة للأجيال الجديدة، وهو ما يلخص الفيلم التسجيلي «اكتشاف دبي» لمخرجته الاماراتية نائلة الخاجة والتي لا زالت تتابع دراستها السينمائية بكندا في حقل الاخراج حيث تبرز المخرجة عشقها الحميم لدبي وهي ترافق ضيفها الاجنبي الى نواحي الحياة المدنية والعمرانية المعاصرة ببلدها وتبعد عنه فكرته المسبقة تجاه دبي بأنها موطن آبار البترول والجمال والجهاد بالسيف (!) مما تعمل على تلاشي الفهم القصور للنظرة الغربية تجاه وطنها.